الثلاثاء، 23 ديسمبر، 2008

هكذا يكون الفرق بين رجل الدولة ... ودولة الرجل !





بينما يقوم سمو رئيس الوزراء المكلف الشيخ ناصر المحمد بالمهمة الأصعب في حياته السياسية لتشكيل حكومته الخامسة، تبرز خلال التصريحات النيابية مصطلحات معلبة من اهمها مصطلح رجل الدولة والذي بات يتكرر على لسان نواب، ربما غاب عن بعضهم معنى اطلاق مصطلحات من هذا العيار الثقيل.


ولأن الحكومات السابقة ضمت وزراء تم اختيارهم بصورة متعجلة ولمجرد انهم يرددون شعارات ومصطلحات لا تعكس مضمونهم كما حصل في تشكيل حكومي قريب، ولأن المنصب الوزاري يتطلب معرفة العمل الميداني للشخصية المرشحة لا ما يحمله من أمان وتطلعات أو ما يحمله من مكانة في تياره السياسي أو في قبيلته العريضة أو في مذهبه الديني.


ولأن مصطلح رجل الدولة أو Stateman له شق نظري وآخر تطبيقي وتحديده وفق التجارب النيابية والوزارية اصبح مهما لئلا يخلط بعض السياسيين الموسميين تعاريف مهمة، ولئلا يظن بعض المتواضعين إلى حد الجهل ان العمل السياسي لايتطلب سوى مكتب اعلامي يصيغ تصريحات رنانة لا يكاد يفقه من امر بكتابتها أو من صاغها شيئا سوى مهارات القص واللزق من المعلومات المتوافرة بكثرة في شبكة الانترنت والتي درأت سوءة كثير من أشباه السياسيين.


من أجل كل ذلك كان من المهم سرد بعض التجارب التطبيقية التي تتيح لرئيس الوزراء المكلف ان يطلع على الفرق ميدانيا بين صفات رجل الدولة وصفات من يكونون دولة الرجل.


حينما يقرر حاكم يتمتع بحكم مطلق نسبيا ان يوقع على دستور ينقل بعض صلاحياته بشكل مكتوب إلى الشعب وذلك لأنه رأى بحنكته وبعد نظره ان هذا هو السبيل الامثل في خضم اعاصير السياسة والايديولوجيات التي كانت تعصف في العالم بأسره مطلع ستينات القرن الماضي فإن هذا الحاكم يعتبر مثالا رائعا لرجل الدولة.


أما حينما تقوم بطانة حاكم ما بتحريضه بشكل مستمر على الدستور والديموقراطية ويصورون له ان الشعب لا يمكن حكمه إلا بنظام شمولي يمسك بزمام الدولة ويقيد الحريات العامة ويقدمها بصورة تشابه بعض الدول، فإن هذه البطانة تفتك بأسس تكوين الدولة وتضع استقرار بلد ما تحت رحمة الفكر الشمولي ما يجعل الفرد من هذه البطانة يتحول من رجل دولة إلى احد الاعوان في دولة الرجل.


حينما يقوم وزير ما بالارتقاء بمستوى الإعلام الكويتي عبر اصدار قانون جديد للمطبوعات والنشر يوسع قاعدة الحريات العامة ويزيد من عدد الصحف الكويتية، ويدفع مجلس الوزراء للتصديق على مشاريع ثقافية واعلامية مستقبلية تتضمن منشآت وبرامج، ويتعامل مع المنصب الوزاري خلال اجتماعات مجلس الوزراء كمنصب سياسي عن طريق المبادرة بطرح قضايا جوهرية كقضية النظام الانتخابي، ويبادر بتقديم الاستقالة من الحكومة حينما يقوم مجلس الوزراء بالعبث في الدستور للهروب من الازمات السياسية بدلا من مواجهتها، فإن هذا الوزير يكون بحق مثالا لرجل الدولة.


أما حينما يتولى المنصب الوزاري من يريد ان يخرج من أي ازمة سياسية بأقل الاضرار حتى وان اضطر للتضحية تارة بوكيل وتارة اخرى بمدير، ومن يترك الحبل على الغارب ولا يمارس دوره الاصيل كصاحب قرار مخول وفق قوانين عدة وينقل كل شؤون وزارته إلى مجلس الوزراء ليخلي مسؤوليته السياسية ويزيد من اعباء رئيس الحكومة، ومن لا يتضمن عمل وزارته أي برنامج أو خطة استراتيجية إلا ضمن تصريحات صحافية تحفل بكثير من الكلام في حين يكون الفعل مفقودا، فإن هذا الوزير يتحول من رجل دولة إلى احد الاعوان في دولة الرجل.


حينما يأتي وزير ما بخطة واضحة ومدروسة لتغيير الفلسفة الاسكانية في الكويت لتتوجه نحو المستحقين الفعليين بدلا من كونها متاحة للجميع حتى اصحاب الملايين، ويأتي بنهج جديد في الإدارة الحكومية يتضمن الحزم في اصدار القرار وحسم المشاكل كافة عند نشوئها وليس حينما تصبح عصية على الحل، ويبدأ في التعامل مع اعضاء مجلس الأمة كخصوم سياسيين يتعاون معهم ويختلف وفقا لآرائه الواضحة والمحددة والتي لا تخضع للابتزاز السياسي فإن هذا الوزير يكون بحق مثالا لرجل الدولة.


اما حين يأتي وزير آخر ليحول الوزارة التي يتقلدها إلى احدى وسائل حملته الانتخابية المقبلة فيصدر القرارات الشعبية التي ترضي قطاعا من المواطنين في زمن معين ولكنها تتسبب في الوقت نفسه في عرقلة مسيرة هذه الوزارة في السنين المقبلة، ويقوم بإرضاء اعضاء مجلس الأمة في التعيينات الإدارية والقرارات الوزارية كي يظفر بمديحهم في الجلسات البرلمانية، وينحر مبدأ العدالة والمساواة في وزارته عبر اختلاق المناصب الشاغرة ليتولاها مفاتيحه الانتخابية وابناء دائرته الانتخابية ممن «يمونون» على اصوات انتخابية لا تعد ولا تحصى، فإن هذا الوزير يتحول من رجل دولة إلى احد الاعوان في دولة الرجل.


حينما يأتي وزير نظيف الذمة واليد ليتولى أكثر من وزارتين في الدولة من حيث عدد المناقصات فيبدأ حملة لالغاء العقود المخالفة ولتخفيض ميزانية المشاريع المليارية الى أقل حد ممكن ولجعل من يتخلف عن تنفيذ العقود في وقتها ملزما بدفع غرامات تصل الى ملايين الدنانير، ويقوم باعتماد المشاريع المتعلقة بالطاقة والنفط التي يحتاجها البلد من أجل توفير الطاقة لسنين طويلة ومن أجل اللحاق بالركب العالمي في صناعة تكرير النفط والاستثمار في شراكات مع كبرى الشركات العالمية المتخصصة في مجال الصناعات النفطية والكيميائية، كي تكون الكويت رقما صعبا في العالم النفطي وليس مجرد بلد مصدر لسلعة ناضبة، ويتحمل في سبيل هذه المشاريع التنموية الضخمة الصراع الرهيب والعنيف بين وكلاء الشركات العالمية في الكويت والذي وصل حدا غير مسبوق تمت فيه استمالة نواب غير متخصصين في هذه القضايا أصبحوا بقدرة قادر متابعين لهذا الشأن كي يزايدوا ويستفيدوا اما من الحكومة او من هؤلاء الوكلاء.من أجل كل هذا يستحق هذا الوزير بأن يكون بحق مثالا لرجل الدولة.


أما حينما يأتي وزير لا يستطيع التصدي لصراع الوكلاء، ويقوم بالاستفادة من منصبه الوزاري عبر تمرير مشاريع تخصه بصورة او بأخرى في الوزارة التي يديرها ويزيل في سبيل كل ذلك من يعترض طريقه، ويدير الوزارة وكأنما المنصب الوزاري غاية وليست وسيلة فان هذا الوزير يتحول من رجل دولة الى أحد الأعوان في دولة الرجل.


حينما تأتي وزيرة مختصة فتركز في عملها الوزاري وتبدأ بتغيير فعلي وجذري في سياسة وزارتها من أجل ضمان نتائج ايجابية وتقوم في سبيل ذلك بتغيير طاقم الوزارة من مسؤولين فرضهم الوزير السابق بآخرين تستشعر فيهم الكفاءة، وتبدأ عجلة الاصلاح الفعلي باصدار قرارات وان كانت موجعة الا انها تأتي في صميم اصلاح الوزارة، وتواجه في سبيل ذلك حربا شعواء يقودها مسؤولون في وزارتها تضرروا من أداء الوزارة الجديدة ونواب انقطع عنهم حبل المدد ولم يعودوا يتمتعون بمكانة في هذه الوزارة المهمة، فلا نقل لمدرسين على حساب مدرسين آخرين يتم لهم ولا مناصب مهمة وحساسة تسند لابناء قبائلهم ومذاهبهم وطوائفهم، وتصعد في سبيل كل ذلك منصة الاستجواب غير خائفة ومن دون ان تنحني لابتزاز نواب المعاملات فتدافع عن سياسة وزارتها وتعرض مشاريع مستقبلية ثم ترد على ملاحظات مستجوبها برقي وقوة وحزم فتخرج منتصرة وتقدم للجميع مثالا عن الوزير الذي يستطيع ان يواجه ويدافع عن سياسته من دون الخضوع للابتزازات البرلمانية من أجل كل هذا تستحق هذه الوزيرة ان تكون بحق مثالا لسيدة الدولة statewoman.


أما حينما يتقلد الوزارة وزير ما يتعامل مع القضايا ببراغماتية فيتخلى عن التضامن الوزاري حينما يشعر بأن ذلك من مصلحته ويحتمي بالحكومة اذا ما حاصرته الضغوط والانتقادات الفعلية، ويسرب المعلومات للصحف عندما تخدمه هذه المعلومات او اذا أراد كسب ود هذه الصحافة، ويحول وزارته الى منبر للدفاع عن افكاره الخاصة وافكار تياره السياسي فينعزل عن السياسة العامة للدولة وكأنما المنصب الوزاري غاية وليس وسيلة.هذا الوزير يتحول تدريجيا من رجل دولة الى أحد الاعوان في دولة الرجل.


وهكذا يكون الفرق بين رجل الدولة ودولة الرجل وهو الفرق الذي يمكن لرئيس الوزراء المكلف معرفته مسبقا اذا اخضع كل مرشح الى معايير ثابتة لا تتوسع لشخص وتضيق أمام شخص آخر.


ملاحظة رقم 1 :

هذه المقالة كتبت عن وزراء سابقين وحاليين وكل فقره قصدت فيها وزيرا بعينه

وللمتصفحين كل الحق في التعليق وتحيد من كنت أقصد في كل فقره


ملاحظة رقم 2 :

عبارة رجل الدولة ودولة الرجل لم تكن من بنات أفكاري وإنما أتت في رسالة نصية

من أستاذ العلوم السياسية الدكتور عبدالله سهر تعليقا على نشر قصة خبرية

عن مصطلح رجل الدولة فقررت أن أستثمر هذه العبارة" السهريه" المعبره


ملاحظة رقم 2 :

هذه المقالة نشرت في جريدة الراي

هناك تعليق واحد:

  1. يعطيك العافية اخوي واستاذي داهم :)

    من فترة احاول اتصل فيك مو عارف ..

    اتمنى تكلمني بأقرب فرصة .. واتشرف بدعوتك لزيارة مدونتي الشخصية الخفيفة ..

    www.bokawthar.blogspot.com

    واشكرك على الموضوعات العميقة والآراء القيمة اللي تطرحها .. تعودنا منك على هالشي ..

    ردحذف