الخميس، 22 يناير، 2009

الكويت في عيون «الثورجيين» ... مخلب السياسة الأميركية الذي تحول درعا للتضامن العربي

مصدر الصورة : وكالة الأنباء الكويتية (كونا)



بين بيان القصر والبيان الورقة عاشت الكويت القمة الاقتصادية العربية الاولى في الزمان... والمكان الذي طالما تبوأته الكويت سنين طويلة حينما كان شعارها الرسمي «الكويت بلاد العرب» الى درجة ان بعض الساسة العرب كانوا يسمونها حينذاك بـ «القوة العالمية الثالثة» بعد اميركا والاتحاد السوفياتي السابق في عبارة وان كانت قيلت في محل انتقاد الا انها تكشف حجم التأثير الكويتي وعمقه .
وفي المشهدين كان سمو الامير الشيخ صباح الأحمد حاضرا،فعميد الديبلوماسية العالمية واقدم وزير خارجية في العالم قبل ان يصبح رئيس وزراء العام 2003 لم يعجزه ان يجمع مقادير لا تجتمع ،وأنفساً عجنتها الشحناء، في توليفة لم يكن يتوقعها اكثر المراقبين تفاؤلا،ولا عجب فالخلطة السحرية لديبلوماسي وسياسي ورجل دولة وقائد محنك مثل سمو الشيخ صباح الاحمد لا يستطيع ان يقاومها اي مركب مهما بلغت تعقيدات تراكيبه الكيماوية .

قاعة التحرير في قصر بيان تمتلئ بقادة الدول والشخصيات السياسية وعيون الملايين من العرب .

آلاف المراسلين والصحافيين يترقبون الهمسات .

قمة الكويت الاقتصادية تبدأ باحتقان والتوقعات بأنها ستنفجر من الداخل كما وصف المشهد لاحقا نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الشيخ محمد الصباح .

الرئيس السوري بشار الاسد يتحدث بصفته رئيس القمة العربية السابقة .

الاجواء ما زالت مشحونة .
الرئيس المصري يعطى الكلمة بصفته رئيس الدولة العربية التي شاركت الكويت في تقديم مقترح عقد القمة .

كلمة الرئيس محمد حسني مبارك تؤشر على الاحتقان العربي - العربي،فالعتب والاتهامات توجه مباشرة لرؤساء الدول الذين رأى ضمنا انهم حاولوا ان يسيئوا لسمعة مصر في ما يتعلق بأزمة غزة.

الملك عبدالله بن عبدالعزيز يطلب الكلمة والتوقعات بأنها ستكون شديدة اللهجة .

العيون تتوزع في القاعة وتترقب، ربما ما يعيد مشهد المواجهة بين الملك عبدالله والرئيس الليبي معمر القذافي في مؤتمر شرم الشيخ قبل الحرب على العراق، والملاسنة بين نائب رئيس النظام العراقي السابق عزت الدوري ووزير الخارجية الكويتي الشيخ محمد الصباح في قمة الدول الاسلامية في الدوحة ايضا قبيل الحرب على العراق .

خادم الحرمين الشريفين يقلب التوقعات كافة ويأتي بخطاب تصالحي إلى أبعد الحدود.

سمو الشيخ صباح الاحمد وبحنكة السياسي المحنك والعارف بخبايا السياسة العربية التي شهد تفاصيل تفاصيلها منذ ان كانت كوبا رأسمالية وليبيا سنوسية واليمن إمامية والمانيا شرقية وغربية وروسيا سوفياتية،استطاع أن يلتقط اللحظة المناسبة لعقد مصالحة شاملة بين الدول التي تبادلت الحروب الديبلوماسية والاعلامية على أرض الكويت ليكون ذلك مدخلا مناسبا لإعادة القمة الاقتصادية إلى حسبة الارقام والخطط والاستراتيجيات لا النزال العنتري الذي إن بدأ لا ينتهي .

سمو الامير يقوم من مقعد رئاسة القمة ويتجه إلى الرئيس محمد حسني مبارك ويتبادل حديثا بدا فيه أن سمو الشيخ صباح يطلب من مبارك أن يكون الوقت للمصالحة الا ان الرئيس المصري يبدو انه لا يزال يمانع في ذلك، وشيئا فشيئا وبابتسامة تهدئ النفس من سمو الشيخ صباح طالما اشتهربها كويتيا وخليجيا وعربيا إلى أن بدا ان مبارك وافق على ما طلبه منه سمو الشيخ صباح ما استدعى من سمو الامير طبع قبلة ثناء على جبين الرئيس المصري وهكذا تستطيع الكويت بابتسامة وقبلة على الجبين أن تخفف الاحتقان الذي جعل الامة العربية تعيش بعضها وكأنها في «جزيرة» معزولة.

هذا ما رصدته عدسة التلفزيون في حين واصل سمو الامير مسعاه إلى أن انتهى المشهد بصلح قرب الاضداد فتحدث مع الرئيس السوري بشار الاسد ورافقه الى مقر الملك عبدالله بن عبدالعزيز، حيث كان هناك الرئيس حسني مبارك
وامير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني وملك البحرين الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة ليعود الجميع إلى خانة الأشقاء بعد غياب ولتتحول قمة الكويت من ساحة متوقعة للصراع العربي - العربي ديبلوماسيا إلى عنوان حقيقي للتضامن العربي .
وهكذا وجد الاعلام العربي الفرصة السانحة كي يشفي غليله فالشأن الاقتصادي عربيا لا يصنع الاثارة والحماسة التي إستغرق فيها الصحافيون العرب حتى الثمالة وهم الذين لم تفد فيهم مئات التصاريح الصحافية وآلاف الكتيبات التي شرحت بالتفصيل جدول اعمال القمة الاقتصادي وما تضمنه من مشاريع تهم الامن العربي القومي بمفهومه الشامل، من دون ان يحرك ذلك انتباههم الا فيما ندر في حين كان التنافس بين وكالة «رويترز» ووكالة الصحافة الفرنسية وتلفزيون بلمبيرغ على كل ما يتعلق بالشأن الاقتصادي فالارقام هي اللغة التي لا تحتمل المبالغة والكذب وهي الصفات التي يعتبرها معظم الصحافيين بهارات لا تكتمل الخبطة او الطبخة من دونها .

الكويت التي نجحت تنظيميا وسياسيا في حدث بهذه الاهمية لم تنطلق من فراغ ففي الجينات الوراثية للديبلوماسية الكويتية ما زالت الريادة مركبا أساسيا.

والكويت التي كان بعض السياسيين العرب من «الثورجيين» لا يترددون عن وصفها في مجالسهم الخاصة صراحة وفي مواقفهم المعلنة ضمنا بأنها مخلب للسياسة الاميركية في المنطقة عادت وبألسن هؤلاء لتكون حلما واقعيا في إعادة التضامن العربي إلى مساره الطبيعي وموقعا لاعادة تأهيل دول كاد التيار ان يجرفها بعيدا عن أمتها،وأرضا صلبة لانطلاقة عربية جديدة تتغلب فيها الحكمة والعقل على زمجرة المغامرين سياسيا .

الكويت بقيادة زعيمها الشيخ صباح الاحمد عادت لتكون كما كانت دائما بلادا للعرب .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق